يراقصها الغيم| - 4/5/6/ | روايتك

اسم الرواية: يراقصها الغيم|
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 4/5/6/

4/5/6/

جاغلقت الهاتف و لا زالت ابتسامة عريضة ترتسم على شفتيها .. للتو كانت تحادث ابنتها " فيديو " على احد برامج التواصل .. تنهدت بعمق و الابتسامة تتلاشى حتى حل مكانها جمود و حزن .. يا الله .. لقد كبرت ابنتها بعيدًا عين عينيها .. لم تكن معها عندما سقطت أولى اسنانها .. و لم تجهزها للمدرسة .. لم تذهب معها أول ايام كي تطمئن .. ولم تعلمها ابجديات الحروف .. كما أنها لم تساعدها بمعرفة الأرقام .. غصة خانقة تكونت بحلقها و قد تجمعت الدموع بعينيها .. حاولت ابتلاع ريقها فغصت به .. تنشقت بقوة تمنع انفلات بكاءها.. لقد وعدت نفسها بأنها لن تبكي أكثر .. فيكفيها حتى الآن تلك الليالي التي لم تنم بها بسبب بكاءها نعم .. يحرقها ابتعاد ابنتها عنها .. ولكنه كان الثمن .. كان ثمن طموحها .. ثمن تمردها .. ثمن كسرها لقيوده الخانقة و التي لم تتقبلها نفسها لقد حاولت بأقصى طاقتها أن تتكيف .. ولكنها روحها التي انتفضت و صعب عليها ماكان يحدث .. لقد كان الثمن غاليًا و لكنها توقن بأنها كانت ستصبح اخرى لو لم تقاوم .. كانت ستفقد ذاتها فـ هدوءها لم يكن أبدًا رضوخ .. و لم يكن سكونها تقبل .. بل كان انحناء بإرادتها حتى لا يكسرها .. و هو لم يعول أي شيء لم يفعله كي تنكسر .. شهقة مقطوعة خرجت منها فضغطت على شفتيها تمنع باقي شهقاتها أن تسمع .. لا تريد لأخاها أن يرى انكسارها .. فلم يرى أي احد حتى الآن لحظات ضعفها .. و لكنه قد رآها الآن و منذ بداية مكالمتها لابنتها .. كان يريد أن يعطيها فسحة من الوقت كي تلملم نفسها و لكنه لم يستطع المقاومة أكثر .. اقترب بخطوات هادئة ثم ناداها بهدوء .. رفعت نظراتها إليه بصمت.. وبقيت نظراته معلقة بها لبعض الوقت ثم اكمل تقدمه بذات هدوءه حتى جلس بجانبها .. بقيَ صامتًا لثوان ثم قال بتساؤل : كنتي تكلمين ريما ؟ هزت رأسها بصمت وهي تتنشق فقال بتعاطف : اشتقتي لها ؟ ابتسمت بسخرية ثم قالت بمرارة ولا زالت عبراتها تخنقها : وهذا سؤال ؟؟ ثم اردفت بحقد و خذلان : يوسف يحسب انه بيجبرني ارجع له بذي الحركات .. يخليني اشوفها مرة و المرة الثانية يخليني أتمنى اشوفها .. بس مارح اسكت له .. كلها كم شهر و اخلص و ارجع و نشوف كيف بيمنعني عنها .. زم شفتيه بضيق و قهر من ذلك المسمى يوسف .. لو كان بيده كان سيخنقه من شدة قهره حتى يعلم بمن يتلاعب .. ابتلع قهره ثم قال ببعض المنطقية : انتِ تعرفين اذا رحتي هناك محد بيوقف بصفش .. انتِ بنظر الكل الغلطانة و اولهم اهلنا .. محد راضي بالوضع ذيه.. هزت كتفيها بلا مبالاة و قالت ببرود و شيء من القسوة : وانت تدري انهم ما يهموني دام محد منهم وقف معي لما احتجتهم .. كان كل همهم كلام الناس وانا بالطقاق .. ثم اكملت بإصرار نابع من كرهها و حقدها : برجع و بوقف بوجيههم كلهم .. بعلمهم ما يستهينون فيني ابدًا .. ابتهال البكاية خلاص ماتت .. ربت على كتفها بمواساة ثم قال بمرح وهو ينغزها بجانبها : ومين اللي كانت تشاهق قبل شوي .. بابتسامة هادئة و سخرية : لازم نفرغ دموعنا كل فترة و فترة .. والا ناسي ان وراي شمعة ما تخليني لين تتفلسف على راسي و تطلع كل عقدها فيني .. ابتسم بالمقابل ثم وضع يده على بطنه بحركته الشهيرة وهو يتحسس معدته : فيه أكل جاهز والا .. جوعاااان .. هزت رأسها وهي تشير إلى المطبخ المفتوح على المكان الذي يجلسان فيه : اكيد فيه .. طلعه من الثلاجة و سخنه .. لوى شفتيه بعدم رضا : ابغى اعرف ليش ما تكونين سنعة و تقومين انتي تسخنينه لي .. اقولك جوعااااان .. بلا مبالاة وهي تقف و تتحرك لجهة غرفتها : اخدم نفسك بنفسك .. كفاية علي صرت سنعة ثلاث سنوات عشان يوسف وليته فااد .. ، في الطرف المقابل .. اغلقت الهاتف و مدته لها فأخذته بابتسامة صادقة وهي ترى ابتسامة ريما .. تعلم بأنها تفتقد امها مهما بالغت هي بتدليلها .. و تشعر بالمقابل بألم ابتهال .. و منذ متى كان يخفى عليها وجعها ؟؟ لقد شاركتها وجعها لحظة بلحظة منذ تزوجت وحتى حين تركت يوسف كانت هي أول من يعلم .. رأت ريما تستلقي على الأريكة و تتابع الرسوم في التلفاز و شردت بأفكارها لقبل سنوات من الآن .. وقد كانت ريما بنفس الوضعية و لكن بحجم اصغر .. كانت لم تكمل العام .. فقط بضع شهور هو عمرها .. تستلقي على الأريكة نائمة بسلام ملائكي .. بينما هي و والدتها قد اخذهن الحديث بشتى المواضيع .. لم تكن ابتهال شديدة الشكوى من حياتها .. بل كانت ترمي كل همومها و تستمتع بوقتها .. تلك المرة كانت ثالث زيارة لها منذ تزوجت .. لم يفتها منظر ابتهال و الحزن في عينيها .. و لم تقاوم سؤالها حينها فقد سألتها اياها بصراحة إن كان هناك ما يزعجها فلم تجبها سوى بتنهيدة عميقة و ابتسامة باهته وهي تقول : خليها على ربك .. و لم تشأ هي ازعاجها فصمتت و غيرت مجرى أحاديثهما .. عادت من شرودها وهي تشعر ببرد قارص و انتبهت على ريما و سكون حركتها .. استقامت ببطء و تقدمت بهدوء ثم حملتها بحنان إلى فراشها الأرضي ببيت اهلها .. فيوسف لديه عمل خارج المنطقة و هي تبيت لدى اهلها .. وضعتها و غطتها بهدوء وهي تتحرك لتستلقي على فراشها .. تنهدت بضيق و افكارها تأخذها إلى ابتهال .. لن تنكر بأنها اصبحت تغار منها بشدة و السبب هو تعلق يوسف بها .. ولكنها لن تستطيع ان تظلمها و تحرمها من ابنتها كما يريد يوسف .. و لأنها عندما وافقت عليه كانت تعلم بأن حكايتهما قد انتهت .. و قد أكدت عليها ابتهال ذلك .. و لكن يوسف فاجأهن بإصراره و عدم رضوخه .. ولم تكن تستطيع التراجع حينها .. فما حدث قد حدث .. و ما يصبرها حتى الآن بأنه لم يعاملها كما كان يعامل ابتهال .. استلقت على جانبها وهي تفتح هاتفها .. دخلت على برنامج الواتس اب و لم تجد منه أي رسالة .. ارسلت له تسأله إن كان قد وصل إلى وجهته و أغلقت الهاتف .. تنهيدة مثقلة فلتت منها .. هي لا تشعر بالذنب ابدًا لاخفاءها مكالمات ابتهال لابنتها .. فابتهال احق بها منه .. وهو ابدًا ابدًا ليس من حقه ان يمنعها عنها .. لن تنحدر إلى مستوى قسوته مهما بلغت غيرتها منها .. فليست هي ممن تنكرن العشرة .. و ليست ممن تخلفن الوعد .. ، وضعت السماعات في اذنيها و اخذت ترقص بجنون و فرحة عارمة .. كان الصوت يصدح بإذنيها بصخب و اخذت تتحرك بجسدها بأكمله وهي تضحك .. فتحت هاتفها على الرسالة التي وصلتها و التي لم تكن بحاجة بأن يذيلها بإسمه .. فهي تعرف بأنه المرسل .. ولن يكون هناك غيره .. اعادت قراءتها للمرة التي لا تعلم كم وقد حفظتها عن ظهر غيب .. فبعد اسبوع من الغياب ارسل لها .. و ذلك يعني بأنه لم يتردد بعد أن جاءها .. لم يندم و لم يعد للاختفاء .. فقد ارسل لها ، "هل تهرُبين معي ‏من الزَمَن اليابسِ إلى زَمَن الماءْ؟ ‏فنحنُ منذُ ثلاثِ سنينْ ‏لم ندْخُلْ في احتمالات اللون الأزرقْ ‏لم نُمْسكْ بأيدينا أُفُقًا ‏او حلماً. " رصاص ، صرخت وهي تقفز : يس يس يس .. ثم استلقت على فراشها بابتسامة عابثة و وجه متورد .. لن ترد عليه .. و لن تظهر له لهفتها الحمقاء حفاظًا على ما تبقى من رزانتها الناقصة دومًا .. ، لا تدري لماذا تم استدعاءها إلى قسم الطوارئ .. فأتت حتى تستعلم عن السبب .. وبعد أن علمت أخذت تهرول بخوف و فجعة .. لقد أصيب كما أخبروها .. أخذت تدعو برعب أن تكون إصابته ليست بالغة .. تجاوزت الممرات بخطوات شبه راكضة .. و لم تتوقف خطواتها حتى وصلت إلى الغرفة التي اخبروها عنها .. ولجت إليها يسيرها رعبها عليه .. حتى أصبحت تقف أمامه و الدموع تكاد تغشى عينيها .. يجلس بانحناء شعرت بقلبها يلتوي منه.. كم ثوبه مقصوص من الساعد .. و الدماء القانية تغطي اغلب ثوبه .. كاد قلبها أن ينخلع من فجيعتها وهي ترى ذراعه .. فقد التف عليها شاش ضخم غطى كتفه و جزء من ساعده هتفت بحشرجة وهي تراه لا ينظر إليها : عيسى !! تحركت عضلة خده من شدة ضغطه عليها و لم ينظر إليها .. تقدمت بخطوات بطيئة و قالت بلوم : كذا تعامل اختك الكبيرة ؟؟ حاول السيطرة على ملامحه المتغضنة و أن يكمل تجاهلها و لكن وجودها بحد ذاته مستفز له .. يتمنى لو لم تكن هي الكبيرة .. لو كان هو الاكبر حتى يفرض سيطرته عليها ولا يجعلها تغادر منزلهم إلى منزل أي كان .. يشعر بوحشة كبيرة تحتل منزلهم فهي لها مكانة عظيمة بأنفسهم بدءًا من والدته و انتهاءً بأصغر فرد فيهم .. قال بغضب و بصوت مقهور : لو إن اختي الكبيرة مقدرتني ماكان عاملتها كذيه .. اخذت نفس عميق و زفرته بحدة .. لن تجادله الآن فليس المكان المناسب و ليس الوضع المناسب .. تقدمت اكثر حتى وصلت بجانبه و تحسست ذراعه المغطى بشاش نظيف .. تساءلت بوجع : من ايش تصاوبت ؟ ارتفعت زاوية شفتيه بتهكم و قال بمرارة شعرت بها تنزل على قلبها و تعتصره : تخيلي بس .. تضاربت مع واحد عشانه قال اختك الكبيرة وش شاف عليها ولد عمكم عشان ياخذ الصغيرة بدالها .. تخيلي بس سمعته يلمح انش دكتوره و اكيد شاف عليش شيء .. بس هذا اللي صار .. و بسخرية اعمق : مايستاهل اني اتصاوب عشان هالشيء صح ؟؟ لم يصله أي جواب .. فرفع نظراته إليها .. كانت لا تزال ترتدي نقابها و لا يرى سوى عينيها التي كانت بهذه اللحظة و كأن احدهم قد اعتصر فيهن شيء حارق .. حاول الاعتدال بجلوسه عندما رأى عينيها و الدمع الذي اصبح ينزل منها بشكل اخافه و اوجعه .. هتف بندم : شمعة .. رفعت كفيها و مسحت عينيها بصمت ثم استدارت و تركته خلفها يناديها .. فتحت باب الغرفة بحدة و كادت أن تصطدم به .. عقدت حاجبيها و شك راودها بأنه قد سمع ماحدث قبل قليل .. ولكنها تجاهلته و خرجت فتقدم هو حتى السرير المخصص لأخيها .. اعتدل عيسى عندما رآه فابتسم له ناصر ببهوت وهو يعيد برأسه ما سمعه قبل أن يدخل .. ليس و كأنه قد تنصت عليهم ولكن الأصوات كانت تصله إلى خارج الغرفة و قد حاول أن يعطيهما المساحة الكافية بعد أن جعل احدى الممرضات تستدعي شمعة كي ترى أخيها .. ركز نظراته على ذراع اخيها والذي احتاج منهم لإثني عشر غرزة .. بذهن يتوجّع عليها .. لذلك اذًا يرفض عيسى أن يقدم شكوى .. لا يريد لإسم اخته أن يذكر .. لا يلومه على ما فعل فهو يشعر برغبة عميقة بالانهيال ضربًا على كل من يتجرأ و يلوك سمعتها .. و بعد أن رأى احمرار عينيها يشعر بقهر شديد .. هل لقب " اخصائية " يبيح لهم اطلاق الشائعات عليها و الخوض بشرفها ؟؟ قاطع افكاره صوت اخيها : فيه شيء دكتور ؟ هز رأسه برفض ثم قال بصوت لا يوحي بما يدور بداخله : تقدر تطلع بعد ساعتين .. بنركب لك الحين مغذي عشان يعوض الدم اللي فقدته و بعدها تقدر تطلع .. اومأ عيسى بصمت و شرد بنظراته هو الآخر .. يعلم بأن اعادتها إلى البيت لن تجعل الناس يبتلعون ألسنتهم .. ولكنها ستقلل من الكلام عنها .. لقد فتحت لهم بتصرفاتها الباب حتى ينطلقوا .. و الله الذي يعلم ماذا يقولون عنها غير الذي سمعه .. أما ناصر فقد ألقى عليه نظرة أخيرة و استدار خارجًا .. سيذهب ليبحث عنها .. يتمنى بأنها الآن قد تماسكت .. يا الله .. لم يكن يتصور بأنها قد تغلغلت فيه إلى هذا الحد .. إلى الحد الذي يكره فيه فكرة بأنها تتوجع .. فما باله وقد رأى عينيها و الوجع الناطق بهما .. دار بعدة طوابق و لم يجدها .. فـ يبدو بأنها قد دخلت إلى غرفة الاستراحة الخاصة بهن .. زفر بضيق و عاد ادراجه إلى مكتبه .. يتمنى فقط لو كان يستطيع رؤيتها أينما شاء .. و كيفما شاء .. حينها لم يكن سيقلق عليها هكذا .. ، أما هي فقد ارتقت السلم بسرعة حتى وصلت إلى الطابق الأعلى و الذي يؤدي إلى سطح المشفى .. جلست على أعلى درجة و خلعت نقابها .. وضعته بجانبها و هي تهف على وجهها بيديها .. انفاسها متسارعة و تشعر باختناق بحلقها .. تمتمت بغضب لنفسها : بس شمعة .. بس .. انتي كنتي تدرين ان كل ذا رح يصير .. وضعت كفيها على رأسها و اسندته عليهما و هي تأخذ انفاس عميقة و تزفرها ببطء .. أن تتوقع ما يحدث شيء و أن يحدث فعلًا هو شيء آخر .. يا الله .. لكم يوجعها ما حدث .. اخوتها يظنون بأنها قد غادرت بسبب فهد .. و لكنه لم يحدث و تقسم على ذلك .. ولكن من يصدقها؟؟ لقد كانت تتوقع بأن فهدًا ليس موافقًا على ارتباطهم.. و كانت قد بدأت تتقبل ذلك بعد ان تخرجت من الجامعة و لم يتقدم لها .. ثم بعدها بسنة و نصف قد توظفت و لم يتقدم .. ومع كل سنة كانت تمر كانت تدرك بشكل أكبر بأنه فعليًا لن يتقدم لها .. و لكن أن يتقدم لاختها بدًلا عنها فقد جرحها .. لن تكذب و لن تقول بأنها لم تجرح .. حتى وهي التي لم تكن تعول عليه و لم يكن من اهم أولوياتها.. و لكن ان يستصغرها و يتجاهلها فذلك جارح بحق .. و كان القاصم لظهرها هو موافقة سهام السريعة.. لقد أوجعتها بحق .. هي التي كانت تعلم عنها كل شيء .. لم تكن تخبئ عنها أي شيء .. فلماذا فعلت ذلك ؟؟ لماذا وافقته على استصغارها و انشراخ اخوتهن؟؟ .. لقد كانت لها كأم اكثر منها كأخت .. تنهدت بحزن .. كلما تقول بأنها ستصبح أقوى يحدث شيء يجعلها تتقهقر و تعود إلى حيث كانت .. إلى نقطة الصفر .. مسحت ملامحها و اعادت ترتيب هيئتها .. عدلت نقابها و استقامت لتنزل الدرجات بهدوء بعد أن تماسكت .. فليقول الناس ما يريدون .. هي واثقة من أنها لم ترتكب أي شيء .. لذلك لن تحني رأسها كـ من أذنب .. وهي لن تستطيع أن تغلق أفواههم على أي حال .. فليحدث ما يحدث فكله خير .. تمتمت بهدوء وهي تغادر مخبأها السري : كله خير .. ، عاد إلى المنزل بإرهاق .. فاليوم كان جدول العمليات ممتلئ و بالكاد انتهى من آخرها .. كان ينوي البقاء في المكتب ولكن المكالمة التي وردته جعلته يعود إلى المنزل .. اوقف سيارته و نزل يجر خطواته بتكاسل حتى دخل المجلس الخارجي .. ابتسم باتساع وهو يراه امامه بعد كل ذلك الوقت .. اتسعت ابتسامته حتى تحولت إلى قهقهة خافته وهو يراه يتقدم منه بهيبته .. احتضنه بقوة احتضان مليء بالفرحة و الشجن .. ربت على كتفه بخشونه و ابتعد قليلًا و قال بعتاب : اخيرًا شفناك .. ابتسم رصاص بالمقابل و بصوت هادئ و باختصار: الظروف تجاهل ناصر ملامحه التي انغلقت و اشر له بالجلوس و بترحيب : يا الله ان تحييه .. رصاص بهدوءه : الله يبقيك .. اخذا اخبار بعضهما ثم قال ناصر بخبث : وش سبب تشريفنا بالزيارة تنهد رصاص و قال بابتسامة مائلة وهو يرى خبثه : لي أمانة عندكم و جاي آخذها .. بعبث محبب وهو يتراجع بجلوسه باسترخاء : ما تشوف إنك تأخرت كثير ؟؟ بابتسامة اوسع وقد اشتاق فعلًا لمناكفاته معه : والله زي ما قلت لك الظروف .. حينها هتف ناصر بجدية وقد انمحت ملامح العبث : طيب وش اللي تغير الحين ؟ على خبري ظروفك باقي هي هي ما تغيرت .. شرد رصاص بنظراته إلى الدلال القابعة أمامهم في الجلسة الشعبية .. قال بعد لحظات بتنهيدة مُتعبة: تعبت ياخوك .. و ابغى ارجع لحياتي قبل .. و محد رح يساعدني غير اختك .. رفع ناصر حاجبه بتفكير .. يبدو بأن وضع رصاص النفسي اصبح ينحدر إلى حال مخيف و ذلك واضح من الارهاق و التعب على ملامحه .. و لن يكون هناك افضل من اخته لتعيده كما قال .. قال بهدوء : زين انت شوف متى يناسبك عشان نسوي عشاء و نكمل من حيث توقفنا .. رصاص بعملية : يناسبني الخميس الجاي ما هنا مشكلة .. بس شوف لي دارين اذا يناسبها او لا و رد لي خبر .. ابتسم ناصر بخبث فعقد رصاص حاجبيه بتوجس وهو يسمعه يقول بتسلية : ماعليك متأكد انه يناسبها .. انت بس شوف لنا وحدة من هذي الاستراحات عشان نسوي عشاكم فيه و تتوكلون .. " اكمل بداخله بمرح " لو بكيف دارين كان سبقتك على البيت الحين .. ارتفعا حاجبا رصاص بشك وهو يدرس ملامح ناصر المبتسمة أمامه .. قال ببطء : متأكد انه يناسبها ؟ اومأ بموافقة وقال بضحكة حبسها : ما هنا مشكلة .. تكتف رصاص و قال بهدوء و شك : متأكد ؟ هز رأسه بموافقة ثم قال بلا مبالاة مفتعلة : الا اذا انت غيرت رايك .. استقام رصاص وقال بهيبته المعهوده : لا غيرت رايي ولا شيء .. اترخص الحين و نتقابل بعد اسبوع ان شاء الله .. حاول ناصر ابقاءه ولكنه رفض و تحجج بالوقت المتأخر فوافق على مضض ثم رافقه إلى الخارج .. تابعه حتى غادر ثم التفت إلى المنزل خلفه و فلتت منه ضحكة مرتفعة .. تحرك إلى الداخل بحماس و هو يصرخ : دااااريييين .. يااا داااريييين .. وصله صوتها يهتف من المطبخ بصراخ مماثل : تعال نصور انا هنا بالمطبخ .. دخل المطبخ و تقدم من والدته التي تجلس على المقعد و يبدو بأنها تسلي دارين حتى تنتهي من تنظيفها .. قبل رأسها ثم تقدم من دارين و ضربها بخفة على رأسها و قال بصرامة : وش قومش تصارخين !! قد جيرانا يعرفون متى تنامين و متى تصحين بسبب ذا الصوت اللي يلعلع .. عقدت حاجبيها بغيظ و قالت بسخرية : ابد سمعت اخوي الكبير و قدوتي يصارخ و سويت مثله .. عاود ضربها على رأسها فأخذت نفس عميق كي لا تلتفت عليه و تنهال على رأسه بالمقلاة التي كانت تقوم بتنظيفها .. زفرت و تجاهلته وهو يناكفها .. لم تبدي أي اهتمام حين سألها : زين ما سألتيني وش كنت ابغى .. لم ترد فقال بخبث : باقي تبغين تروحين لبيتش؟ تجمدت يديها تحت الماء و لم تبدي أي ردة فعل سوى عينيها التي اتسعت .. سمعت والدتها توبخه : وش تقول انت ؟ اغلقت صنبور الماء و التفتت عليه وهي ترى ابتسامته الواسعة بخبث تعرفه جيدًا .. ضيقت عينيها وهي تحاول استكشاف ما يخفيه .. رفع حاجبه بسخرية وهو يرى نظراتها المدققة .. رد على والدتهم ولا زال ينظر إلى اخته : رصاص برا و يقول يبغى دارين .. اتسعت عينيها بصدمة ثم تراجعت خطوة إلى الخلف دون أن تقول اي شيء .. تحاول أن تستوعب ما قال .. سمعته يرد على والدته من جديد عندما سألته اذا كان جادًا فرقص لها حاجبيه و قال بخبث : يللا يا حلوة جهزي اغراضش و توكلي .. نفضت رأسها بعد أن استوعبت ماقال .. تكتفت و نظرت إليه ببرود فقد ظنته يسخر منها .. قالت ببرود اشد : قوله ماعندنا بنات يطلعون من بيوت اهلهم سكاتي بدون طنة و رنة .. بسخرية و برود مماثل وهو يقف متكتفًا مقابلها : والله ؟ و مين اللي كانت تبغى تروح له سكاتي امس ؟ لوحت بيدها بلا مبالاة : هذاك قلتها .. كانت .. ثم تركتهم خلفها و خرجت بهدوء يناقض صخب قلبها .. يا الله .. لوهلة ظنته صادقًا .. ولكن الخبث الذي كان يقطر من نظراته اخبرها بأنه فقط يريد أن يجس نبضها إذا كانت لا تزال تفكر بالذهاب أم لا .. تجمدت خطواتها و صوته يصلها بعلو و هو يقول بجدية تخللها المرح : تراني جاد يا دارين .. رصاص كان هنا و الاسبوع الجاي بيكون عشاكم و تروحين لعند حبيب القلب .. ، رمت الأوراق بتعب .. منذ ساعات وهي تدرس بجد .. و لا ينفك يزور ذاكرتها كل حين .. لا تعلم لماذا عاد إلى ذاكرتها بهذا الاصرار وهي التي كانت قد استنزفت طاقتها كي تنساه .. يبدو بأن حديثها مع اخيها بالأمس كان السبب .. فقد عادت لتتذكر مواقفهما مع بعض .. لن تنكر بأنه كان يعاملها غالبًا بشكل جيد .. او بالأصح في بداية حياتهما مع بعض .. و لكنه اصبح اكثر تباعدًا و برودًا بعد ان انجبت ابنتهما .. لا تعلم حتى الآن أين كان الخلل .. و لكنها تعلم بأنها قد بذلت ما تستطيعه كي تقوّم علاقتهما التي كانت تتردى كل يوم عما قبله .. شردت بتفكيرها إلى ذلك اليوم الذي انفجرت فيه باكية امامه و قد تجمد لحظتها .. كانت تكبت الكثير من انفعالاتها حتى خرجت بأسوأ طريقة .. لم يرى لها دمعة واحدة منذ أن تزوجا .. و لكن السيل قد بلغ الزبى .. ولم تستطع المقاومة اكثر فأخذت تبكي بدرامية و شهقاتها ترتفع .. تلفظت بالكثير الذي لم تدركه و لم تعرف ماذا قالت فيه و لكنه جعله يعاملها بعد ذلك الحين بلطف اكثر .. وكأنه يخشى من انفعال آخر ليس له به حِمل .. مضت بعدها أيامهما بهدوء و ركود من ناحيتها و لطف حذِر من ناحيته .. وقد كانت المرة الأولى و الأخيرة التي يراها تبكي بها .. حتى كانت القاصمة .. لم تكتفي ذلك اليوم ببعض البكاء و الكلمات .. فقد امتدت يدها إلى اقرب شيء و حذفت به عليه .. هزت رأسها برفض .. لا تريد أن تعود لنفس الذكريات .. لنفس الوجع و الخذلان .. و بإصرار عادت إلى الأوراق و قد اعطتها الذكريات حافز قوي كي تجتهد اكثر .. ستثبت له و لأهلها و للجميع بأنها افضل .. و بأن ما حدث لم يكسرها .. بل جعلها اقوى .. ، بعد عدة أيام .. استلقت على أحد الكراسي في احدى الغرف الشاغرة بعد ان اغلقت الباب جيدًا .. خلعت نقابها مع حجابها و وضعتها بجانبها .. غطت عينيها بذراعها وهي تزفر بضيق .. منذ ان استيقظت وهي بمزاج عكر .. أو بالأصح منذ الليلة الفائتة و بعد جدالها مع عمتها .. لقد كانت صارمة جدًا وهي تخبرها بأنها ستذهب إلى حفل العشاء الذي قد وصلتهم الدعوة إليه .. وقد رفضت هي رفضًا تامًا أن تفكر بالحضور حتى فتجادلت مع عمتها بشدة و اخبرتها بأنها ستسحبها سحبًا لو اضطرتها إلى ذلك .. فالأفضل ان تستعد برغبتها .. لم تستطع النوم ليلًا وهي تفكر بماذا ستكون ردة فعلهم على حضورها ؟؟ هي التي لم تحضر زفاف شقيقتها قبل ثلاثة اسابيع فقط .. تعلم بأنها ستكون وجبة دسمة لألسنتهم .. و تعلم بأنها ستكون محط انظار الكل .. فالبعض سينظر إليها بشفقة و البعض الآخر سيتعاطف معها كذبًا .. سيهمزون و يلمزون وهي بغنى تام عن كل ذلك .. و لكنها عندما اخبرت عمتها كي تتفهمها فقد قالت لها بالحرف " رح تجين معي وانتي ماتدلين دربش و يا ويلش يا شمعة إن طلعتي لي بأعذارٍ مالها أول من تالي " .. هي تتفهم رغبة عمتها .. فهي تريدها أن تثبت للكل بأنها ما زالت هي هي .. و بأن ما حدث لم يؤثر عليها و عدم حضورها كان لتعب عمتها كما قالوا لكل من سأل .. ولكنها لا تريد أن تثبت لهم أي شيء .. تريد استجماع نفسها قبل كل شيء .. تريد أن تلملم تبعثرها ثم بعد ذلك ستواجه الكل .. ولكنها الآن اضعف من أن تتحمل ما سيقابلها في الحفل .. تعرف نفسها جيدًا و تعرف بأنها هذه الأيام بأضعف حالاتها .. فأبسط شيء قد يعيث بجروحها .. فمن أين لها القوة لمواجهة كل ذلك و الحفل من المقرر أن يكون غدًا ؟؟ ماذا ستفعل حتى الغد ؟؟ بأي درع ستحمي قلبها ؟؟ وما المفترض بها أن تفعل ؟؟ ، ماض برجاء و توتر يناديه .. يستجديه أن يفيق : كابتن .. كابتن .. لم يصله أي استجابة من الرجل الممدد أمامه بعد أن فقد الوعي .. نظر إلى المساعد الآخر بقلة حيلة و اعاد نظره إلى الكابتن .. عاود ضرباته على خده كي يفيق ثم صاح بتوتر اشد : وييين الزفت اللي ارسلناها تشوف لنا طبيب ؟؟ خرج مساعده بسرعة وقد راعه منظر الكابتن .. فوجهه شديد الاحمرار و قد برزت عروق رقبته بشكل مخيف .. و تحشرج انفاسه يصلهم بشكل بطيء و متقطع وكأنه يجد صعوبة في التنفس .. اما هو فمد يده يتحسس نبضه .. لم يصله أي نبض فعاود البحث عن النبض بتوتر و خوف رهيب .. خوف لم يشعر بمثله في حياته .. ضغط بشكل عنيف على الوريد للحظات ثم تنفس براحة .. هناك نبض بطيء و ضعيف .. بالكاد شعر به .. خلع سترة الطيران ثم رفع اكمامه و بدأ باسعافه بنفسه .. طبق الخطوات كما تدربوا عليها ثم بدأ بعمل المساج للقلب وهو يتمتم بتضرع : يارب يارب .. قاطع عمله دخول المساعد مع المضيفة و شخص من المسافرين .. عرّف عن نفسه بأنه طبيب و أمرهم بالابتعاد .. اخذ منهم عدة الاسعافات و باشر بعمله .. وضع له مضخة الاكسجين و بدأ بعمل مساج للقلب وهو يأمرهم بمساعدته.. اقترب منه و بدأ يضغط على المضخة و الطبيب يعمل المساج .. بدأ اليأس يتسلل إلى قلبه وهو يرى لون وجه الكابتن المعتم .. لقد انقلب الاحمرار إلى لون اغمق .. لون الموت .. لقد ادرك ذلك من قبل أن ينطقها الطبيب الذي رفع يديه ببطء و هدوء .. و كأنه قد اعتاد على ذلك .. تراجع إلى الخلف وهو يرى الطبيب يستقيم بأسف .. يسمعهم يتبادلون بعض الكلمات بينما نظره قد ارتكز على الكابتن .. وصله صوت المساعد الآخر وهو يعزيه فأومأ له بصمت .. وصله صوته مرة أخرى : يجب علينا تبليغ برج المراقبة بحالة الوفاة .. رصاص بتحشرج و غصة عالقة : قم بذلك .. و أخبرهم بأننا سنقوم بالهبوط في اقرب مطار .. اومأ له و استدار كي يبلغهم و لكنه هتف برعب بالغ .. بصوت افزعه .. صوت الموت مرة أخرى و كأنه يأبى أن يغادر قبل أن يقبض المزيد : كااااااابتن .. .. لنا لقاء يوم السبت إن شاء الله .. في الرقصة الثالثة .. دمتم بخير 🍃 آمال العيد, Maha bint saad, نافذة أمل and 2 others like this. فيتامين سي غير متواجد حالياً التوقيع شكراً منتداي الأول و الغالي ... وسام أعتز به رد مع اقتباس قديم 09-09-20, 01:19 AM #54 الشموس!! تجم روايتي الصورة الرمزية الشموس!! ? العضوٌ??? » 404177 ? التسِجيلٌ » Jul 2017 ? مشَارَ?اتْي » 1,634 ? دولتي » روحٍ كثر ماتحبك ..صرت أنا مدري هي ميته في غيابك؟؟ أو شبه حية ، لم تكن تظن بأنها ستتوتر إلى هذا الحد الذي يجعل النوم يغادر عينيها .. متلهفة هي وبشدة .. لقد اشتاقت له حتى نضج قلبها من الشوق .. لا تنفك عن التفكير بكيف ستكون حياتها القادمة ؟.. إلى أي حد قد اخذ الحادث من روح رصاص القديم؟؟ .. و أي جوانب اظهرها برصاص الجديد؟؟ .. فـ هي تعلم بأن مشوارها معه طويل جدًا .. و لكنها ستبذل قصارى جهدها حتى يعود إلى رصاص الذي عرفته قبل سنوات .. تنهدت وهي تشدد من احتضانها لوسادتها عندما سمعت الأذان يرفع في المسجد القريب منهم .. ستصلي الظهر ثم ستتجهز كي تذهب إلى القاعة حيث سيتم تجهيزها هناك .. فلتت منها تنهيدة أخرى ، تمنع نفسها من البكاء وهي تدرك بأنها ستغادر منزلها الذي لم تعرف سواه يومًا .. ولكن الآن .. لم تستطع منع دموعها من الانفلات وهي تسمع طرقات والدتها على الباب ثم دخولها إلى الغرفة .. اعتدلت بجلوسها بعد أن مسحت عينيها و نظرت إلى أمها بابتسامة باهته .. راقبت اقترابها حتى جلست بجانبها .. احتضنتها بصمت وهي تمنع دموعها من الانفلات مجددًا .. شددت احتضانها لها وهي تسمع حشرجة صدرها الذي يشي ببكاءها الصامت .. همست بمرح واهٍ : وش رايش تجين معي لبيتي ؟ عشان يعرف رصاص ان وراي أم قوية .. طبطبت أمها على ظهرها وهي ترى محاولتها لإخراجها من حزنها .. ثم قالت بمرح حقيقي و ابتسامة : خاف انتي اللي تطرديني لين شفتي رصاص .. ضحكت بخفة و شددت على جسد أمها بقوة اكبر وهي تمرغ وجهها بحضنها .. صمتت كلتاهما فلا يوجد ما يقال .. فقد كانت مشاعرهما أعمق من مجرد كلمات لن تفي ما يشعران به حقه .. ، روحٍ كثر ماتحبك ..صرت أنا مدري هي ميته في غيابك؟؟ أو شبه حية ، ماض تسلل إلى سريرها على اطراف اصابعه .. هز كتفها برفق فغضنت جبينها بانزعاج .. عاود هز كتفها بإصرار و هو يهمس بـ اسمها .. انقلبت على بطنها و خبأت وجهها عنه فزفر بملل و نقر كتفها بقوة جعلتها تتأوه .. التفتت إليه بغيظ و بنص عينين مفتوحة قالت بنرفزة : خيير وش فيه ؟ اشار لها بالصمت وهو ينظر إلى الغرفة من حولها و همس كي لا يوقظ اخواته الأخريات : تعالي ابغاك ضروري .. ثم خرج بسرعة فعقدت حاجبيها باستغراب .. ليس من طبعه فعل ذلك و بالأصح علاقتها به لا تتعدى كونها علاقة سطحية لا تناسب أن تكون بين أخوين .. اعتدلت بجلوسها وهي ترتب شعرها وتناظر من حولها تطمئن بأن أحداهن لم تستيقظ .. استقامت و اخذت معطفها المخصص للبيت وهي تفرك يديها من البرد .. لبسته و ألقت نظرة اخيرة على الغرفة ثم غادرت بهدوء .. خرجت فوجدته يقف أمامها بتوتر .. همست بتوتر مشابه : وش فيه مجود ؟ همس وهو يسحبها من يدها : تعالي للمجلس ابغاك بموضوع .. بخفوت وقد بدأت تتوتر أكثر وهي ترى ارتباكه الواضح : وشهو الموضوع اللي ما يتأجل ؟ انت تدري الساعة كم ؟؟ ادخلها المجلس وهو يزفر بعمق : ادري الساعة كم وماكان ينفع اقولك الموضوع وحد صاحي .. راقبته بعد أن فتح انوار المجلس و قالت بخوف : خير ان شاء الله .. اشار لها بالجلوس ففعلت و جلس بجانبها .. سألته بنفاذ صبر : اييه ايش الموضوع ترا خضيتني .. " أي افجعتني " نظر إليها فرفعت حاجبها بتهديد .. قال بعد لحظات : لقيت لك حل .. عقدت حاجبيها بعدم فهم : حل لإيش ؟؟ بتوتر : لدراستك .. حينها انفكت عقدة حاجبيها و قد بدأ الموضوع يثير اهتمامها .. قالت بتساؤل : ايه ؟؟ التفت إليها و قال بهمس و توتر وهو يراقب باب المجلس المغلق : تسافرين معي عشان تكملين دراستك .. انتي تدرين إن عندي بعثة و بسافر نهاية الشهر ان شاء الله .. يعني بعد اسبوعين من الحين .. فإذا قدرتي ترتبين وضعك تعالي معي .. سكتت بتفكير وقد راقت لها الفكرة .. و لكنها تراها مستحيلة التنفيذ .. قالت بعد دقائق بكدر : ياليت يا مجود .. بس خبرك ابوي او يوسف رح يوافقون ؟؟ و ريما مستحيل يخلونها تسافر معي .. و ماعندي الفلوس اللي تخليني اسافر و ادرس على حسابي .. حينها ألقى بوجهها فكرته : نسافر بدون محد يدري .. التفتت عليه بفجيعة و هتفت بانفعال : وشهوووو !! وضع يده على فمها بسرعة و قال بتوتر : و مرض بالعدو اسكتي لحد يسمع .. ابعدت يده بانفعال و قالت بهمس حاد : اييه من حقك ما تبغاهم يسمعون .. قومك من الخبال اللي براسك .. ماجد بغيظ : لا تخليني اندم إني تعشمت فيك .. انا فكرت بكل شيء و شفت إن هذا انسب حل .. ابتهال بسخرية : اتحفني بأفكارك .. قال بجدية : اذا بتاخذين الموضوع بجد رح اقولك فكرتي أما اذا رح تتمسخرين فتوكلي نامي .. نظرت إليه تستشف صدقه فوجدته ينظر إليها بثبات .. قالت بمهادنة : وش اللي روحي نامي بعد ما طيرت النوم من عيني .. هات قول اللي عندك و انا بفكر و أرد لك .. حينها اعتدل بجلوسه و اقترب منها اكثر وقال بهمس : تسافرين معي ولامن شاف ولامن درا .. انتي عندك اللغة تمام ومارح تحتاجين لكورسات هناك .. و تاخذين من ذهبك و تبيعينه عشان مصاريف الدراسة .. أما ريما فإنتي راح تتركينها بإرادتك هنا و تدرين إن الحضانة بتكون لك بحال تطلقتوا و بكذا بتكون عند امي و تتطمنين عليها بكل وقت .. أما ابوي و يوسف راح نحطهم قدام الأمر الواقع ومارح يعرفون الا بعد ما نوصل لهناك .. لما تختفين كذا فجأة مارح يقدرون يقولون شيء و بالعكس بيقعدون يخبون عالناس اللي سويتيه .. بيخلون الوضع وكأنه صار بموافقتهم عشان ما تطيح هيبتهم قدام الناس .. صمتت بوجع .. يبدو بأنه قد فكر بكل شيء كما قال لها .. عندما طال صمتها وقف وقال بهدوء : انتظر قرارك .. استخيري وردي لي خبر .. خرج و تركها تصارع افكارها .. من ناحية طموحها .. و من الناحية الأخرى ابنتها .. و من الناحية الثالثة سمعتها .. فأن تسافر لتكمل دراستها بدون علمهم سيجعل سمعتها في الحضيض .. هي تضمن بأن والدها سيخبئ أمر سفرها دون رضاهم .. ولكن من يضمن لها يوسف ؟؟ فما عادت تعرفه .. ولا عادت تتكهن بأي من تصرفاته .. قد يفضحها و قد يثور بها .. احتضنت نفسها بخوف و توتر رهيب .. رغبتها بإكمال دراستها لا يفوقها أي شيء .. و من بعد ما حدث بينها و بين يوسف أصبحت رغبتها أكبر .. و لكنه يرفض أن تكمل دراستها .. يقول لها عودي إلي و ستكملينها .. يقطع لها الوعود بأنه سيتعدل و بأنه سيجعلها تنسى كل ما حدث .. ولكنها لم تعد تثق فيه .. لم يعد باستطاعتها تقديم المزيد من التنازلات .. و هو يرفض أن يطلق سراحها .. أما والدها يخبرها إذا كنتِ تريدين الدراسة فيجب عليكِ استئذان زوجك ما دمتِ على ذمته حتى الآن .. و والدتها تقول لها "برضاي عليك يا بنت بطني تكلمين زوجك و تسدون .. " .. لا أحد يهتم لرغبتها .. ولا أحد يعبأ باهتماماتها .. فما يهمهم هو كلام الناس عنهم عندما تعود ابنتهم مطلقة .. كما أن حالة ريما توجعها و تجتث قطع من قلبها .. يصعب عليها أن تتركها وهي تحتاجها .. هي بين خيارين الآن .. ابنتها أم طموحها .. ، روحٍ كثر ماتحبك ..صرت أنا مدري هي ميته في غيابك؟؟ أو شبه حية ، دخلت القاعة مع عمتها بضيق شديد .. لا تعلم لماذا اصرت عمتها على حضورها اليوم وقد تحججت بأنها ستحضر " العزيمة " المقامة على شرف رجوع اختها من شهر العسل .. فإذا كانت النية هو حضورها كي تخرس ألسنتهم فما حاجتها للحضور اليوم وهم سيرونها في الغد ؟؟ و ليس كأن علاقتها بالعروس قوية كي تجيء و تهنئها .. زفرت بضيق أشد فنهرتها عمتها بنظراتها الصارمة .. زمت شفتيها بعدم رضا وهي تخلع عباءتها و حجابها و تعطيها المرأة الواقفة أمامهن .. استلمت الرقم المخصص للرّف الخاص بـهن و تقدمت مع عمتها ببطء و ملل .. وصل لمسامعهن صوت الطبول و يبدو بأن ليلتهم قد بدأت .. ارتقت الدرجات و تقدمت حتى الاستقبال .. رسمت ابتسامة بلاستيكية لا يرى زيفها إلا من يعرفها أحق المعرفة .. سلمت عليهن و وقفت كي يقمن بتبخيرها و تعطيرها .. " و هي عادة لدينا في الجنوب ، يكون هناك مجموعة من النساء من طرف العروس و العريس و يقمن بالترحيب و تبخير الضيوف " بعد انتهاءهن تجاوزتهن إلى الداخل ولا زالت الابتسامة ذاتها على وجهها.. التفتت كي ترى عمتها أين هي.. زفرت بضيق عندما رأتها قد تجاهلتها و جلست مع صديقة عمرها .. دارت بنظراتها على الطاولات المترامية أمامها حتى وقع نظرها على طاولة محددة .. تقدمت بهدوء و ثبات حتى كادت تصل إليها و لكن حركة من الخلف ثبتتها بمكانها .. التفتت كي ترى من الذي يتمسك بها بهذا الشكل و ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها عندما سمعت صوت الطفلة تناديها : خالة شمعة .. جثت على ركبتيها أمامها و احتضنتها بفرحة صادقة ثم غمرتها بقبلاتها و ضحكات الطفلة أمامها تشرح صدرها عن كل ضيق .. ابعدتها قليلًا و احتضنت وجنتيها بلطف ثم سألتها بلطف مماثل : حبيبتي ريما وش جايبها هنا ؟ هزت كتفيها بعدم معرفة وقالت بابتسامة : جيت مع خالتو نجد .. بابا قال لازم نحضر الزواج .. اومأت بتفهم ثم سألتها من جديد : وينها خالتو نجد ؟ ليش مو جالسة عندها ؟ ببراءة و ضحكة : انا بس شفتك قمت من عندها وركضت لعندك .. لأني من اليوم ما شفتك .. احتضنتها بحب عميق و قالت بعطف وهي تقبلها : بعد عمري والله .. فديت اللي اشتاقوا لي .. جعلني ما انحرم ياربي .. قاطعهن صوت بارد : سلام .. حينها وقفت شمعة ببرود أشد و عدلت فستانها ثم قالت بجمود : سلام .. نجد بابتسامة باردة : اخبارش شمعة ؟ بسخرية و تهكم : من الله بخير .. و من قداش ؟ * ترد لها السؤال * اومأت نجد و بخفوت : نحمد الله .. شدت شمعة على كف ريما و قالت باختصار : ريما بتقعد معي لين نهاية الحفل .. لا قدش رايحة رني علي و اجيبها لش .. أومأت نجد بصمت و راقبتها وهي تبتعد بشموخ يليق بها .. زفرت بضيق و همست : منك لله يا يوسف .. أما لدى شمعة فقد تقدمت إلى الطاولة التي اختارتها بالبداية .. فقد اختارتها لأنها بمكان منعزل و لن تضطر لمواجهة نظراتهم .. جلست على أحد المقاعد المتواجدة حول الطاولة بعد أن وضعت حقيبتها على المقعد المجاور لها .. و جلست ريما على المقعد الآخر عن يمينها .. نظرت لها بحنان عميق و حب أعمق لوالدتها .. شردت بنظراتها وهي تتذكر حديثها مع ابتهال قبل سنوات .. عندما كانت يائسة و طلبتها المشورة .. فأشارت عليها بأن تذهب إلى الدراسة .. أن تلحق بطموحها قبل أن يمضي الوقت فتجد نفسها على ذات وضعها أو قد يكون أسوأ .. لقد نصحتها بأن تحدد ما الأهم لديها .. هل تريد أن تكبر ابنتها و هي ترى والدتها مهانة من قِبل والدها؟؟ أم تراها بمكان مرموق و تفخر بها؟؟ .. هل تريد أن تبقى لأجل مشكلة ريما التي لم يكن الحل بها سوى العلاج ولن يضر عدم وجودها ؟ أم تبقى مع ابنتها بمراحل العلاج التي ستنتهي بعد فترة و لكن فرصتها ستكون قد ولّت و حينها لن ينفع الندم .. و كم كانت فرحتها بالغة عندما عرفت بأنها قد اختارت دراستها .. ولكن كان ينبغي لها أن تدرك بأن ابتهال لن تترك ابنتها هكذا ، و كان ينبغي أن تعلم بأن إصرار ابتهال كان لخطة محكمة قامتا بلعبها هي و نجد .. .. هي تحب ريما ولا تريد لها سوى الأفضل .. و لكن .. لم يكن من الأفضل أن تدخل نجد بينهم .. ، روحٍ كثر ماتحبك ..صرت أنا مدري هي ميته في غيابك؟؟ أو شبه حية ، انتهى حفل الزفاف أخيرًا .. و ها هي الآن تجلس معه بمكان واحد .. ببيتهم الزوجي الذي من المفترض بأنها دخلته قبل سنوات من الآن .. و بحياتهم الزوجية التي من الواضح بأنها ستكون غريبة .. وما أشد غرابة منهما الآن .. هو يجلس أمامها و يضع عينيه بعينيها بتمعن .. وهي لن تخسر التحدي الذي يبدو بأنه سيشعله بينهما .. نظرت إليه بثبات خارجي بينما من داخلها تشعر بأنها ستنهار من الإحراج و طريقة تمعنه .. لم تحتمل أكثر فرفعت له حاجبها باستنكار .. فهل هذا هو الوضع الطبيعي لعريسين للتو انتهى زفافهما ؟؟ تشنجت وهي ترى ابتسامته الواسعة ثم صوته المهيب ينهرها : بنت .. نزلي حاجبش .. كسرت نظرتها وهي تشعر بأن وجهها يحترق .. قبضت يديها إلى جانبها كي لا ترفعها و تهف بها على وجهها علّها تقلل من حرارته .. نبضاتها تقرع بقوة و قد تخشبت ملامحها .. تريد أن تبكي .. لم تكن تعتقد بأنها قد افتقدت ابتسامته إلى هذا الحد .. ابتسامته موجِعة .. شعرت بأن قلبها كان قد ضل منه شيئًا و للتو ردت إليه ضالته .. طرفت بعينيها بتوتر وهي تراه يقف .. وقفت بدورها وهي تفرك يديها .. تجمدت بوقفتها وهي تراه قد أصبح أمامها تمامًا .. شعرت به يحيط وجهها بكفيه و يرفعه إليه ثم يقبلها على جبينها ببطء .. قبلة استمرت لثوان قبل أن تحيطها ذراعيه .. احتضنها و شعرت بأن عطره قد تغلغل بأنفاسها.. رائحة العود و البخور تشعر بأنها قد التصقت بها .. سمعته يقول بخفوت .. بترحيب حار : هلا بش .. تو ما ضوا البيت .. لم تستطع الرد فقد حبست انفاسها و لن تستبعد بأن تكون قد بلعت لسانها .. فـ بإقصى احلامها لم تتوقع ترحيب حار منه كهذا .. لا تعلم لماذا ؟ و لكن يبدو بأنها قد اكتسبت هذه القناعة من فترة غيابه الطويل .. سمعته يقول بصوت خافت .. ببحته المثيرة .. بكل ثقله و هيبته : مبروك علي انتي .. اشهد انش كفو .. وعدتي وما اخلفتي .. ، روحٍ كثر ماتحبك ..صرت أنا مدري هي ميته في غيابك؟؟ أو شبه حية ، تقف بالكافتيريا الخاصة بالمشفى .. اخذت كوب قهوتها بعد ان مدته لها العاملة .. التفتت كي تخرج فوجدته خلفها .. غضنت جبينها بغضب خفي ثم تجاوزته و خرجت .. وقفت بمكان منعزل ترى منه الخارج من الكافتيريا .. ارتشفت قهوتها ببطء و انتظار حتى رأته يخرج منها و بيده كوب من القهوة .. رأته يلتفت و كأنه يبحث عن شيء ما .. حينها ابتسمت بسخرية .. لقد تأكدت الآن .. ليس و كأنها لم تلاحظ قبلًا بأنه كان يراقبها و لكنها كانت تعطيه العذر تلو الآخر .. أوليس الحديث يقول " التمس لأخيك سبعون عذرًا " ؟؟ حسنًا .. لقد نفذت منها جميعها .. لن تصمت بعد الآن.. رأته يتقدم إلى أحد الطوابق فتحركت بسرعة كي تلحقه .. نادته عندما اصبحت خلفه : دكتور .. وقف للحظات ثم التفت إليها وهو يشعر بتوتر رهيب .. كما أن نبضاته اخذت تتسارع وهو يستوعب بأنها تحادثه شخصيًا للمرة الأولى .. و عوضًا عن ذلك نطقها لحرف الراء أوشك على جعله يهتف لها " لبيه " .. و لكنه تماسك و التفت إليها بهدوء .. قال بثبات بعد أن لاحظ وقوفهم الخاطئ : نعم دكتورة .. بغيتي شيء ؟ شمعة بسخرية و تهكم : ايه .. على حسب ما اعرفه حرام إن الواحد يراقب حد ماهوب حلال له .. بعدم فهم : ما فهمت ؟ بجدية تامة : يعني يا دكتور أنا ارفض انك تراقبني .. انا مانيب عميا و قدني لاحظت من أول بس لهنا و يكفي .. حسنًا .. لم يكن يعتقد بأن ذلك هو الموضوع .. و لم يكن يعتقد بأنه قد فضح نفسه بمراقبتها .. شد على كوبه يفرغ فيه انفعاله .. ثم قال بثبات زائف : انتِ الحين تتهميني بمراقبتش ؟؟ هزت كتفها ثم قالت بصرامة : دكتور انا ما اتهمك .. انا اقولها لك صريحة .. اذا مرة ثانية لاحظت إنك تراقبني رح اقدم فيك شكوى .. ثم غادرت دون أن تسمح له بالرد بعد أن تركته و التعجب يكاد يلصق حاجبيه بمنابت شعره .. تمتم ببهوت : العفو دكتورة .. ، روحٍ كثر ماتحبك ..صرت أنا مدري هي ميته في غيابك؟؟ أو شبه حية ، ماضٍ فتح عينيه بضعف و تشوش ثم اطبقها بانزعاج من الضوء القوي الذي شعر بأنه يخترق رأسه .. تناهى له أصوات بعيده لم يفهم أي شيء يقال منها .. عاود فتح عينيه ببطء حتى تعوّد على الضوء .. نقل نظراته في المحيط حوله .. حاول استكشاف ماذا يفعل هنا فهو لا يذكر أي شيء .. البياض المحيط به من كل جانب يخبره بأنه في المشفى .. ولكن لماذا هو هنا ؟؟ ماذا حدث له؟؟ .. اطبق جفنيه ثم فتحهما بعد لحظات على اتساعهما بذعر عندما ومضت برأسه أصوات مخيفة .. انفاسه تسارعت و العرق أخذ يتصبب منه .. لايستطيع التنفس .. يشعر بأنه يختنق و الأكسجين لا يدخل إلى رئتيه .. بدأت عينيه تجحظ وهو يتخبط بيأس من انعدام الهواء داخل قصباته الهوائية.. سمع اصوات ضجيج من حوله .. ثم أيادٍ تحركه و أخرى تضرب على خده بقوة و صوت يأمره بأن يفيق و يهدأ .. و نفس الصوت يخبره بأن كل شيء بخير و لا داعٍ للقلق .. كان الصوت غريب و لكنه جعله يهدأ و يستكين .. بعد لحظات.. شعر بأن الهواء اصبح يصل إلى رئتيه فأخذ يعب منه .. كان يشهق بحدة جعلت الصوت يعود إليه من جديد و يأمره بالهدوء و أن يتنفس بعمق فقط .. لحظات فقط و عاد للظلام بعد ان انتظمت انفاسه و انفتحت قبضتيه التي احمرت من قوة قبضه عليها .. لا يعلم كم بقي أسير للظلام و لكنه استفاق مجددًا وقد بات ذهنه أصفى .. تلفت حوله فلم يجد أي احد .. نظر لنفسه و عقد حاجبيه عندما رأى جسده سليم من أي أصابه تستدعي وجوده هنا .. إذًا ماذا حدث له؟؟ .. حاول العودة إلى النوم و لم يستطع ، ولكنّ جسده خامل ولا يشعر بأنه يستطيع التحرك .. كان يشعر بأنه قد مضى وقت طويل لم يتحرك فيه لذلك يؤلمه جسده .. حرك قدميه فتحركت .. رفع يديه فارتفعت .. حينها حاول الاعتدال بجلسته و بعد جهد استطاع رفع نصفه على ظهر السرير ثم ضغط الزر بجانبه حتى اصبح بوضع اقرب للجلوس .. تنهد بحيرة .. ما باله يشعر بأن شيء هام قد حدث؟؟ .. يشعر بنقص شديد يشتته .. استدعى الممرضة فأتت .. عاينته ثم اخبرته بلغة لم يفهم منها أي حرف بأنها ستسدعي الطبيب .. لم يعلم ماذا قالت و لكنه فهم بعد أن دخل عليه الدكتور بابتسامة بشوشة .. حياه بانجليزية سليمة و رد عليه تحيته .. لم يكن من الصعب تخمين أين هو .. فليست زيارته الأولى إلى هنا .. كان الطبيب يقوم بفحصه و يسأله اذا كان يشعر بأي ألم فأجابه بأنه يشعر بالإرهاق فقط .. عندما انتهى الطبيب من معاينته سأله بالانجليزيه : هل تتذكر ما حدث لك ؟ هز رأسه بالنفي ثم قال وهو يغضن جبينه : اشعر و كأن هناك فراغ كبير برأسي دكتور .. سأله مجددًا : هل تتذكر أي شيء آخر ؟ اسمك ؟ عملك ؟ عمرك ؟ اومأ بالإيجاب فابتسم له الطبيب و سأله بلطف : حسنًا .. ما اسمك ؟ رد له ابتسامته و قال بهدوء : رصاص .. ارتفع حاجبي الطبيب بتعجب من الاسم الغريب ثم قال بابتسامته البشوشة : اسم جميل .. كم عمرك رصاص ؟ بهدوءه ذاته : ثلاثون اومأ الطبيب و قام بتسجيل معلوماته ثم قال بجدية وهو يضع القلم على الطاولة الخشبية : حسنًا .. هل تتذكر عملك ؟ هز كتفيه بطبيعية : كابتن طيار الطبيب بجدية : ما آخر شيء تتذكره ؟؟ عقد حاجبيه بتفكير .. فهو لا يذكر أي شيء .. اغلق عينيه و صم أذنيه عما حوله .. خاطب نفسه " وش آخر شيء تتذكره رصاص .. تذكر .. تذكر .. تذكر " كان يتمتم بخفوت و يكرر " تذكر " .. عادت تلك الضجة إلى رأسه و الاصوات المخيفة افزعته .. صرير رياح و اصوات تستغيث .. شهقة حادة خرجت منه مع اتساع عينيه بهلع وقلب مضطرب .. تقدم إليه الطبيب بسرعة و ضغط على كتفيه بقوة و بصوت عال كي يخرجه من بوادر النوبة التي أتته : اهدأ .. انت بخير .. كل شيء بخير .. خذ نفس عميق رصاص .. نفس عميق .. راقبه وهو يحاول التنفس بعمق و لكنه لم يزفره .. هزه بقوة اكبر وهو يرى احمرار وجهه و العروق النافرة برأسه و رقبته .. بأمر صارم : اطلق انفاسك رصاص .. نظر إليه رصاص بيأس فقال بهدوء : انتَ تستطيع .. هيا اطلق انفاسك .. ببطء .. لحظات فقط و اطلق انفاسه فزفر الطبيب براحة .. ربت على كتفه بتشجيع ثم عاد إلى الملف الذي كان يحمله و اخذ يسجل فيه ماحدث .. و ماهي نتيجة الكشف .. وصله صوت رصاص يقول بضعف : لماذا لا اتذكر دكتور ؟ ماذا حدث لي ؟؟ صمت الطبيب لوقت ثم رفع عينيه و قال بمهنية : انه وضع مؤقت .. لديك فقد ذاكرة جزئي بسبب ما حدث لك .. و بحالتك انت فسببه نفسي لأن رأسك بخير و عندما احضروك إلى المستشفى لم يكن لديك أي اصابة بالرأس .. لذلك ببعض الحالات يقوم العقل بححب الذكريات كنوع من الحماية للشخص كي لا يتألم .. سأل بتوجس و سرعة : من الذي احضرني إلى هنا دكتور ؟ ماذا حدث لي ؟ و كم من الوقت بقيت نائمًا ؟ وهل سأتذكر أم لا ؟؟ الطبيب بابتسامة عملية : ستتذكر كل شيء عندما يحين وقتها .. لا ترهق نفسك بمحاولة التذكر .. أما عن المدة التي قضيتها نائمًا فهي ثمانية اسابيع .. اي شهرين .. شحب وجهه بقوة و سأل بتوتر : نحن بأي شهر دكتور ؟ اجابه بتلقائية : منتصف نوفمبر زاد شحوب وجهه و خاطر مرعب يمر برأسه .. هتف باستفسار : هل استطيع استخدام الهاتف دكتور ؟ اومأ بابتسامة : بالطبع .. سأجعل الممرضة تجلب لك واحدًا .. اومأ بصمت و اعاد رأسه للخلف .. غادر الطبيب بعد أن ألقى عليه نظرة أخيرة و اغلق الباب خلفه .. شرد بتفكيره .. ما وضع عمه الآن ؟؟ ماذا حدث لهم ؟ هل يعلمون بوضعه ؟؟ و أين هم ؟؟ دارين .. كيف تقبلت غيابه ؟؟ لقد كان من المفترض زواجهم قبل شهر ونصف .. فـ ما الذي حدث ؟؟ و لمَ هو هنا الآن ؟؟ ، روحٍ كثر ماتحبك ..صرت أنا مدري هي ميته في غيابك؟؟ أو شبه حية ، صرخ بغضب : انتِ كيف تسمحين لها تاخذ البنت و تجلسها معها لنهاية الحفل ها ؟؟ بأمر مين خليتيها معها ؟؟ و من مين استأذنتو عشان تخلون ريما تكلم أمها ؟؟ وش شايفيني قدامكم هاا ؟؟ صايرات ما تردون الشور لأحد ما كن وراكن رجال .. وحدة هايته و الثانية تبيعتها .. انتي ماعندش شخصية والا كيف .. كل ما قالت ابتهال شيء هزيتي راسش وراها زي الخبلة و نفذتي .. يعني لو ما قالت لي ريما والا ما فكرتي تقولين لي كانت تنظر إليه ببرود شديد جعل اعصابه تشتعل اكثر .. مهما فعل و مهما صرخ فهي لا تخرج من قالب البرود .. لا تبدي أي ردة فعل و كأنها تتابع شخص مجنون و ذلك اغاظه اكثر .. جعله يصرخ اكثر و ما زاد جنونه هو ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها .. تقدم إليها بحدة فوقفت و هي ترفع حاجب باستنكار .. قالت ببرود و نهر : هوب هوب على وين .. ناوي تمد يدك علي ؟؟ يوسف بغضب : و اكسر راسش بعد .. انا تستغفليني كذا و تخلين البنت تكلم امها !! هزت كتفيها بلا مبالاة : انت قلتها .. أمها .. يعني ما يحق لا لي ولا لك اننا نمنعها تكلمها .. بقهر و حرقة جعلتها تشتعل : امها اللي تركتها وراها ؟؟ امها اللي ما اهتمت فيها و راحت تطامر بحجة الدراسة .. اقتربت منه حتى اصبحت ملاصقة له و قالت بهمس و تحذير : ماله داعي ترفع صوتك .. ريما نايمة ولا ابغاها تسمع هالكلام .. أما امها فاللي سوته كان نتيجة افعالك انت .. بسخرية وهو يحرك يديه بيأس : ايه كل شيء تحطونه علي .. ما كأنش وافقتي و تزوجتيني ولا اهتميتي بصداقتكم .. عادي عندش تتزوجين زوج صديقتش بس لا انت يا يوسف لازم تكون وفي و لازم تكون متعاطف ولا تحرم البنت من امها .. ابتلعت كلماته الجارحة و رفعت طرف شفتيها بسخرية .. ثم قالت بتهكم و قسوة : ليه لا يكون إني اللي لاحقتك و طلبتك تتزوجني ؟ ترا انت بنفسك اللي جيت و تقدمت .. عشان كذا ايوه كل شيء انت سببه .. كل شيء .. ولا تحسب انك بتجرحني كذا لأنك تعرف وانا اعرف ان ابتهال قد حذفتك من حساباتها .. ثم غمزت له بعينها وهي تربت على صدره : عشان كذا اطلب العوض من الله و الأكيد اني ماني العوض لك .. انا هنا عشان ريما وبس .. فما راح امنعها من امها سواءً برضاك او بدونه .. تراجعت للخلف و هي ترى ثورته القادمة و التفتت و خرجت من الغرفة ببرود زائف .. اتكأت على الباب و بعد لحظات فقط سمعت صوت تحطيم و صوته يعلو : الله ياخذش انتي و ابتهال و ياخذني قبلكم .. حينها تحركت بجمود و قد اصابتها دعوته بمنتصف قلبها .. لم تهتم لما حدث كثيرًا فهذا هو وضعهما من بعد الزواج .. يلومها على موافقتها فتعيد إليه ذاكرته وهي تخبره بأنه الجاني الوحيد هُنا .. و بأنها ليست كإبتهال و لن تبتلع اهاناته كما كانت تفعل .. هي هُنا تواجهه بأخطاءه دون توريه .. و كم كانت ممتنة لابتهال لأنها اخبرتها بطريقة للتعامل الأفضل معه.. ، روحٍ كثر ماتحبك ..صرت أنا مدري هي ميته في غيابك؟؟ أو شبه حية ، بعد يومين .. انتِ مين تحسبين نفسش ؟ جاية تستعرضين ؟ تبين حد يلتفت لش ؟؟ اصحي من أوهامش ذي خلاص .. تجاهلتها بالكامل وهي تعدل زينتها أمام المرآة .. اعادت وضع احمر الشفاه ببطء و دلال أغاظا الواقفة بجانبها و يبدو بأنها تشتعل .. فهي و يا للسخرية لم تكن محط الأنظار كما كان ينبغي لعروس بمكانها أن تكون .. كما أنها لا تنكر بأنها قد بالغت بزينتها قليلًا .. و استقبلتهم بترحيب كبير اخرس الأغلب منهم .. كانت تتنقل بينهم بخفة و تهتم بكل شيء كما ينبغي على اخت العروس ان تكون .. داست على جميع آلامها و ارتدت ثوب كبريائها الثمين .. لم تسمح لأي احد أن يرى و لو نظرة ضعف واحدة .. لم تكن لتجعل أحداهن تشمت بها .. اخرجت زجاجة عطرها و وضعت منه جولي الرقصة الرابعة ، ‏“تلمست الحشا يمكن ألقى له عذر ثاني ‏لقيت إن الجروح بداخلي أكبر من الأعذار" ، ماضِ كانت ساهمة و تساعد اخواتها ، فغدًا سيكون هنا إحدى تجمعات جاراتهم الشهرية .. فقد اعتادت والدتها هذه التجمعات و يجب عليهن تجهيز الضيافة كاملة .. لذلك يبدأن بالشغل مبكرًا حتى لا يتراكم عليهن في آخر لحظة .. تنهدت بتعب و إرهاق .. ثم التفتت على اختها المنشغلة بما بين يديها : علوي بروح ارتاح شوي و اكمل بعدين .. اومأت علياء بموافقة و خرجت هي .. دخلت إلى غرفتهن المشتركة .. استلقت على سريرها و زفرت بهم .. تفكر باقتراح ماجد .. لن تنكر بأنه قد دغدغ مشاعرها و هو يصور لها حلم بات يقترب .. و لكنه صعب جدًا .. لا تستطيع أن تفعل ذلك .. و لكنها أيضًا لن تعود إلى يوسف حتى لو كان بالمقابل سيسمح لها بإكمال دراستها .. ما بينهما انكسر و لن يعود كمان كان من قبل .. ابدًا لن يعود .. لقد اصبحت روحها معطوبة .. غير صالحة للمشاركة .. ماتدركه جيدًا هو أنه إما الآن أو لاشيء .. شعور الغدر لا يفارق صدرها .. هل كان من الصعب عليه تشييد ما بينهما ؟ هل كان يجب أن يصل الوضع بينهما إلى هذا الحد ؟؟ هل كان يعتقد بأنها ستخضع كما تفعل دومًا كي يمشي المركب بهما ؟؟ لقد كان يستنفد كل فرصه الواحدة تلو الأخرى حتى ماعاد بالروح متسع .. كانت خيانته هي القاصمة لعلاقتهم .. يا الله .. لا زال ذلك الشعور البشع يكتنف صدرها .. يدميها و يحرق قلبها .. تشعر به ينغرز بخاصرتها ثم يجتث بقسوة و يعاد غرزه .. تشعر بأن كفيها مخضبة بدماء كرامتها .. وهل للكرامة دماء ؟ لا تعلم .. فكل ما تعلمه بأن كبريائها ينزف .. إن كانت تعلمت شيئًا مقابل ما اعطت فهو أن لا تنحني مجددًا لأي كان .. لا أحد يستحق جهدها سوى ابنتها .. و ستفعل المستحيل من أجلها .. اخرجت هاتفها من جيبها و عقدت حاجبيها باستغراب .. لم يصلها أي مكالمة منه .. ولم تجد أي رسالة .. همست بتوجس " الله يستر منك يا يوسف " .. اغلقت هاتفها و وضعته بجانبها على الطاولة الصغيرة .. تمددت و بعد لحظات غفت من الإرهاق .. فهي لم تنم منذ يومين .. و عندما تنام تستيقظ بعد ساعة او اثنتين بفزع وهي لا تدرك أين هي .. ولا تهدأ إلا بعد أن تستوعب أنها ببيت أهلها و ليس بيتها .. بعد أن تدرك أن ما بنته لسنوات ثلاث قد انهد فوق رأسها و أنها لن تعود إلى ذلك البيت مهما حدث .. كما حدث لها الآن وهي تستيقظ بفزع .. نظرت حولها للحظات ثم هدأت .. وضعت ذراعها على عينيها بإرهاق جسيم .. صداع شديد بعد كل مرة تستيقظ فيها دون رغبتها .. همست بتعب نفسي شديد : يارب يسر لي كل عسير .. ابعدت ذراعها ببطء ثم التفتت إلى الطاولة الصغيرة .. جذبت هاتفها و نظرت إلى الوقت .. انها الثانية عشر بعد منتصف الليل .. أي انها لم تنم سوى ساعتين أو اقل .. نقلت نظراتها في الغرفة و لم تجد احد .. فتحت هاتفها و اخذت تقلب فيه .. دخلت برنامج " الواتس اب " و اخذت تفتح المحادثات و ترد عليها .. ثم دخلت على محادثة شمعة و ارسلت لها " سلام " .. خرجت من المحادثة و بقيت على البرنامج تنتظر ردها .. حينها وصلتها رسالة منه .. اعتدلت بجلوسها بتوتر .. و عندمت فتحت الرسالة هالها ما قرأته .. تجمدت بعدم استيعاب .. اعادت قراءة الرسالة مرتين و عشر ثم عشرون .. و بكل مرة كانت تعيدها كانت ترتجف اكثر من هول الصدمة .. بكل مرة كانت الكلمات تنغرز غرزًا بعمق قلبها .. لا تصدق حتى الآن ما قرأته .. دخلت اختها فوجدتها جامدة .. شاحبة الوجه و تنظر إلى هاتفها بعينين متسعة .. نادتها لعدة مرات و لم تجب .. حينها تقدمت منها بخوف و هزت كتفها : ابتهال !! لم تجبها فهزتها بقوة اكبر و توتر : ابتهال وش فيك ؟ حد صار له شيء ؟ مدت لها هاتفها بجمود فأخذته بسرعة و كل ما يخطر على بالها هو خبر مرعب .. رأت اسم يوسف فتعجبت .. لماذا تعطيها ابتهال الهاتف كي تقرأ محادثتها مع زوجها ؟؟ .. قرأت السطور بعدم تصديق ثم شهقت بصدمة .. شهقتها اعادت ابتهال إلى الواقع .. نفضت عنها برودها و جمودها فشعرت بدمها يتدفق حارًا حارقًا .. إن كانت تعتقد أن خيانته هي القاصمة فقد اخطأت .. فما تشعر به الآن هو اضعاف ما شعرته سابقًا .. عيناها امتلأت بالدموع التي لم تعد عينيها تحتمل ثقلها فأخذت تنزل بشكل أخاف أختها .. وضعت يدها بارتجاف على قلبها .. اقتربت منها علياء وهي ترى شحوبها المخيف .. هتفت ببكاء : ابتهال !! همست ابتهال بتقطع وهي تشعر برأسها ثقيل جدًا و حار جدًا : قـ قللـ قلبييي يععـ ورنيييي .. ثم سقطت على جانبها بعد أن فقدت الوعي .. صرخت علياء برعب وهي تناديها .. لم تستجب لها فاستقامت و خرجت من الغرفة ركضًا .. طرقت الباب بحدة و قوة وهي تصارخ : يمه .. يبه .. افتحوووووا البااااااب بعد لحظات فتحت والدتها الباب و قالت بخوف وهي ترى دموع ابنتها: وش فيه علياء ؟ علياء ببكاء قوي و هي تشير إلى المكان الذي جاءت منه : ابتهال .. لم تكمل كلامها فقد خرجت والدتها بسرعة يسيرها رعبها الفطري و لحقها والدها .. دخلوا الغرفة و تقدموا إليها .. وضعت والدتها يدها على خدها ثم هتفت بخوف : البنت تشتعل يا حسن .. امشي نوديها المستشفى .. في المستشفى تم وضع التشخيص .. ضغطها مرتفع جدًا و يشكل لها خطرًا إذا لم ينخفض .. و لم ينخفض إلا بعد ساعات من المراقبة و الخوف .. استيقظت باليوم التالي فوجدت علياء تجلس بجانبها .. همست بإعياء : علياء .. نظرت إليها و ابتسمت بفرح .. اقتربت منها و احتضنتها .. قالت بابتسامة واسعة : الحمدلله عالسلامة .. غضنت ابتهال جبينها تحاول تذكر ما حدث .. لحظات و تذكرت كل ما حدث فنظرت إلى علياء الصامتة بحذر .. قالت بتوجس : هو صدق صار ؟؟ اومأت علياء بصمت فانفجرت ابتهال ببكاء هستيري .. احتضنتها علياء بقوة و قالت بتعاطف : ابكي ابتهال .. طلعي كل اللي بقلبك .. ابتهال بشهقات متقطعة : قلبي يعورني .. علياء بقهر : ما يستحق .. بس ابكي و طلعي اللي بصدرك .. لا تكتمين .. استمرت بالبكاء الذي تحول إلى أنين جعل علياء تبكي معها .. تمتمت ببحة : قال بيتزوج .. خطب نجد .. نجد صديقتي .. اومأت علياء بصمت .. فاكملت بقهر و حرقة : صديقتي .. مالقى إلا صديقتي .. يدري إني احبها و يبغى يوجعني فيها .. لم ترد عليها .. ماذا قد تقول ؟ هل تخبرها بأنها شعرت بقلبها يتألم عوضًا عنها ؟ بأنها لم تستطع النوم من التفكير .. فقد تمادى يوسف جدًا .. جدًا .. و كل ما تخافه هو أن تُجبر اختها على العودة إليه .. خاصة وأن يوسف عندما هاتفه والدها أخبره بأنه مستعد لإنهاء كل شيء إذا عادت له ابتهال .. و أنها ستبقى هي زوجته الوحيدة .. ولكنه رجل و له احتياجاته .. وقد اقتنع والدها بذلك بل و وعده أيضًا بأنه سيتحدث مع ابتهال .. لم تدرك بأن ابتهال كان لها رأي مخالف لما يريدونه منها .. وقد اسدلت الستار على قلبها .. ثم أصمت أذنيها و حجبت عينيها .. و لم يبقى سوى هدف واحد أمامها .. ستنفذه مهما كلفها الأمر .. هتفت باستفسار : احنا بأي مستشفى ؟ اخبرتها بإسم المستشفى فقالت بإصرار و هي تنظر إلى الساعة المعلقة على الحائط : نادي لي شمعة .. ابغاها ضروري .. ، ‏“تلمست الحشا يمكن ألقى له عذر ثاني ‏لقيت إن الجروح بداخلي أكبر من الأعذار" ، يراقبها من نافذة مكتبه .. مخطئة هي إن ظنت بأنه سيكف عن ذلك .. و لكنه لن يظهر لها .. فهو لا يستبعد أن تقدم فيه شكوى .. و قد لا يأخذونها على محمل الجد فالكل يعرف أخلاقه ولكنها ستؤثر عليه و هو بغنى عن ذلك .. كانت تجلس في الحديقة الأمامية على المقاعد .. وحيدة كما يراها دائمًا .. تتصفح هاتفها و تشرب من كوب قهوتها و يكاد يوقن بأنها مدمنة عليها .. فدائمًا يراها وهي تحمل كوبها بكل مكان .. نظر إلى السماء و شمسها الساطعة ثم اعاد نظره إليها و فكر بسخرية " هذي ما تحس بالشمس وهي تصك راسها .. شوي و يسيح دماغها " .. رفع معصمه و رأى بأن وقت دوامه قد انتهى .. لملم حاجياته و علق معطفه ثم خرج من الغرفة .. كان يدمدم بلحن خفيف عندما رآها تدخل من باب المستشفى .. تجاهلها وهو يمر بجانبها حتى تعداها .. و للسخرية فهي لم تنتبه له مطلقًا .. كانت شاردة بما حدث بينها و بين عمتها صباحًا .. لقد اخبرتها بأنه هناك من تقدم لها و يجب عليها التفكير جديًا بذلك .. فـ قد رأتها والدته باستقبال سِهام و أعجبتها .. رفضت و أصرت على رفضها فهي لن تقحم نفسها في زواج فاشل من البداية .. إن كانت تعلمت شيئًا من اختها فهو أن تقدم ذاتها على الجميع .. و لكنها لن تؤذيهم .. ستفعل ما ترى فيه مصلحتها فقط .. أما عمتها فقد اخبرتها بأنها فرصتها كي تخرس جميع الألسنة .. عندما تفكر بالأمر من منظور عمتها ترى بأنها محقة .. لن يخرس ألسنتهم عن العبث بسمعتها سوى الزواج .. و لكنها من منظورها ترى بأن لنفسك عليك حق .. و حق نفسها عليها ألا تدخلها بطريق هي ليست مستعدة له .. لذلك ستبلغ عمتها برفضها النهائي و ألا تعود لفتح الموضوع معها .. كانت تدخل غرفة الاستراحة الخاصة بالموظفين عندما وصلتها رنة رسالة .. اخرجت هاتفها من جيب معطفها و فتحته .. ابتسمت بحنين وهي تقرأ الرسالة .. كانت من زوجة والدها تطلبها بأن تزورهم .. هي حقًا تحبها فهي تعاملها كأخت كبيرة دائمًا .. كما أنها لم تفرض عليهن أي شيء مطلقًا .. لم تتدخل بينهن و كأنها تخبرهم بأنني لن آخذ مكان والدتكن اطلاقًا .. تنهدت بحزن و هي تجلس على المقعد .. هي حقًا تحتاج لوجود امها .. هل كانت سهام لتفعل كل ما تفعله لو كانت والدتهن حية ؟ شردت إلى ماقبل سنوات .. كان والدها يحتضر .. بعد أن انهكه المرض .. قال لها " وصيتش سهام يا بنتي .. وصيتش سهام .. انتبهي عليها و رديها عن الشين لا بغته " * أي إذا أرادته * .. و لكن أين هي سهام ؟؟ ألم يتعاهدن على الوقوف بجانب بعضهن كتفًا لكتف ؟؟ لماذا إذًا فعلت ذلك ؟؟ لماذا ضحّت بأخوّتهن من أجل الزواج ؟؟ تبًا لها فقد كانت تعتبرها ابنتها .. لقد كانت تتحملها و تصبر عليها كما تصبر الأم على ابنتها .. كما تحب الأم ابنتها دون حدود ولا قيود .. تبًا لها إن ضعفت و حنت .. و تبًا لقلبها الذي لا يفتأ عن القلق عليها .. تبًا لحبها و عطفها .. و تبًا لأمومتها الغير كافية .. تبًا لأنانية سهام و لكل شيء يرتبط بها .. أما فهد فقد احتسبته عند الله و تعلم بأنه سيدفع الثمن بسبب جنايته بحق شرفها .. لن تسامحهم ابدًا .. و لن تعطف على اختها ابدًا .. فتبًا لها أيضًا إن فعلت .. ، ‏“تلمست الحشا يمكن ألقى له عذر ثاني ‏لقيت إن الجروح بداخلي أكبر من الأعذار" ، وصل إلى البيت و دخله بهدوء يماثل الهدوء الذي يكتنفه من بعد ذهاب دارين .. إنه يفتقدها حقًا .. نادى على والدته فأجابته .. دخل عليها بابتسامة و قال بعطف وهو يرى ملامحها المبتهجة : حيا الله ام ناصر .. ماشاء الله اشوف الوجه منور ماهوب زي البارحة .. ابتسمت و ردت له تحيته بأجمل منها وهو يقبل رأسها و كفيها .. جلس بجانبها و احتضنها و قال بمزح : بقيتي علي يا أم ناصر .. بناتش و راحوا ومابقى غيري .. امه بحب خالص : ياجعلني ما اذوق حزنك و أزين من بقيت عليه انشهد .. رفع حاجبيه بضحكة و قبل كفيها : ولا انحرم منش يارب .. ماقلتي وش سبب ذا الحب و ذا الدعاوي .. قالت بابتهاج و هي تسرد عليه : تتذكر يومني اقولك عن بنت اخو صديقتي ام حمد ؟؟ هذيك اللي كانت لولد عمها و كبها و اخذ اخيتها ؟ اضطربت نبضاته بتوتر .. لم يعتقد بأن الموضوع متعلق بها .. فقد كان يظن بأن دارين قد هاتفتها لأنها كانت قلقة عليها بالأمس .. ابتسم ابتسامة زائفة يخفي انفعاله خلفها .. فآخر شيء يريده هو أن تكتشف والدته حبه الأحمق .. و كأنه قد نسي حتى تذكره بذلك .. قال بملامح سيطر عليها بالقوة و بصوت شبه مختفي : ايه ؟ امه بابتسامة واسعة و فرحة خالصة انهمرت بالحديث : الحمدلله اللي ما يخيب عباده .. ولا يرضى لهم الظلم .. عميمتها مكلمتني قبل وقت و قايلةٍ لي إنه جاها عريس .. اهله شافوها بالعزومة اللي سووها بعد ما رجعت اختها و عجبتهم و كلموا عمتها يبغونها .. إذا كان للقلب صوت فقد سمع صوت اعتراضه .. و إذا كان للشريان يد فقد شعر بها تنقبض حتى أوجعه قلبه .. قال ببهوت و عدم استيعاب : ايش ؟ منهي اللي يبغونها ؟؟ عقدت حاجبيها باستغراب و تسائلت : هو انت منتب معي ؟ هز رأسه بتشوش : الا معش .. معش .. زمت شفتيها بعدم تصديق ثم انفردت ملامحها و رفعت كفيها .. قالت من أعماق قلبها ببهجة : يا الله يا كريم إنك توفق شمعة و تيسر لها .. يا الله إنك ترزقها الزوج الصالح و الذرية الصالحة .. يا الله إن ترزقها رزقٍ حلال يفرح قليبها .. يا الله ان تجمع بينهم على خير كان ينظر إليها بعدم تصديق .. إنها تدعو عليه دون أن تدرك .. فأي خير ذاك و قلبه يحتضر ! .. أي رزق حلال ستنعم به بينما هو يلوك الحنظل !! .. و أي تيسير و قد ابتلع المر مضاعفًا .. أي فرح تريد والدته إلباس معشوقته به ؟ و أي زوج ذاك الذي سيكون صالحًا لها سواه .. لن يتركها .. يقسم على ذلك .. لن يجعلها ترى أي رجل سواه .. لم يكد ينتهي من كابوسه المسمى فهدًا حتى يجيء هذا البغيض الذي لا يعلم من يكون حتى .. أنتِ لي شمعة .. حتى لو اضطرني ذلك على فعل أي شيء .. نظر إلى والدته ثم أجلى حنجرته كي تنتبه له .. عندما نظرت إليه قال بجدية و بدون مقدمات : بس أنا كنت ناوي اخطبها .. أمه بعدم فهم : منهي ؟ بارتباك و نفاذ صبر : البنيّة .. عقدت والدته حاجبيها بصمت لثوان ثم تسائلت : ليش ما قلت لي من قبل ؟ هز كتفيه ثم قال بتوتر : أنا كنت جاي الحين بقولش بس انتي سبقتيني .. طال صمتها و لم تجبه .. و كاد التوتر يفتك به بانتظار ردها .. قالت بعد تفكير عميق : انت متوكد ؟ * متأكد * هز رأسه بموافقة و لم يعد يجد صوته حتى .. قالت بعد لحظات : زين .. الله يكتب الخير .. أراد أن يسألها هل ستحدث عمتها أم لا .. و متى ستفعل ذلك .. و لكنه تراجع .. فيكفيه مافقده من ثبات حتى الآن .. لا يريد أن يثير ريبة والدته بتعجله الغير منطقي .. أما والدته فقد كانت تنظر إليه بعمق .. تحاول استكشاف ما يدور برأسه .. فلم يبدو لها طبيعيًا بأي حال من الأحوال .. و ليست حالته المهمومة قبل قد فلتت منها .. ولكنها تجاهلتها بعد أن رأته بالأيام الماضية منشرحًا خالِ البال .. ليس من الصعب عليها أن تدرك حاله و خاصة حالته قبل قليل .. و طلبه المتسرع .. وقفت بتثاقل فوقف هو أيضًا و أخذ يسندها إلى غرفتها .. همست بداخلها بأمل .. فهي حقًا تعجبها شمعة : يا كريم .. و همس بداخله أيضًا : يارب .. ، ‏“تلمست الحشا يمكن ألقى له عذر ثاني ‏لقيت إن الجروح بداخلي أكبر من الأعذار" ، ماضِ يا لخيبتي .. و يا لمرارتي .. يا للحزن الكامن بأقصى قلبي .. هل كان يجب علينا أن نصل إلى هذا الحد ؟ لقد كان يحتم علينا الفراق كشخصين متحضرين .. أما لهذا الوجع من حد ؟ كان الخذلان تنطق به ملامحي .. و تشي به انكساراتي .. اقف أمام المرآة و اتمعن بعينيّ .. لا يبدو عليهن أي شيء .. عينين خاويتين باردتين .. عينين كما هما ظاهريًا و لكني لم استطع التعرف عليهن داخليًا .. كان القهر يصهر صدري .. يجعل دمي يسيل بتدفق حار فأتلوى من شدة الألم .. يخططون لإعادتي إليه .. و لكنه لن يحدث و أقسم على ذلك .. لن يحدث ابدًا .. لقد اتخذت قراري .. بعد أيام سأسافر .. و بعدها سيعقد قرانه على آخرى .. سيتزوج صديقتي بعد أن وافقت بموافقتي .. فيا لوجعي .. لقد زوجت زوجي .. لقد ربطته بامرأة اخرى غيري .. لقد اعلنتها لها صريحة .. لن اعود إليه فاطمئني .. حاججتني .. رفضت ولكنه كان رفض بالي .. اعلم بأنني سأنقذها و انقذ نفسي ايضًا .. لن يكون هناك خاسرًا سوى ابنتي .. و لكنني سأعوض ذلك .. اقسم بأنني سأبذل كل جهدي حتى اتجاوز .. و حتى اثبت للكل بأنني لست الضعيفة الخانعة التي يضنون .. اقسم بأنني لن أنحني مجددًا لأي كان .. لقد بدأت اتجهز للسفر بسرية .. اختي تساعدني .. واخي يبذل كل جهده كي ينهي أوراقي بمدة قصيرة .. سأذهب و سأبني نفسي .. سأكون ابتهال اخرى لا يستهان بها .. يقول لي برسالته " تقدمت لها لأنها جامعية و انتِ لا .. هي المناسبة لي .. " لا أعلم لماذا يريد جرحي .. لماذا يرضيه انكساري .. ألم يخن ؟ ألم يخطئ بحق نفسي ؟ ألم يكن ذلك هو جزاء المعروف لديه ؟؟ لماذا اذًا يريد إهانتي اكثر ؟ هل يريدني أن اعود إليه مذلولة ؟ هل سيرضيه ذلك ؟؟ ولكني لن أعود .. انا مصرة كما لم أصر على شيء من قبل .. سأنجح .. و سأجعل ابنتي تفتخر .. فيكفيكم إذلالًا .. و ظلمًا .. ، ‏“تلمست الحشا يمكن ألقى له عذر ثاني ‏لقيت إن الجروح بداخلي أكبر من الأعذار" ، كان يمر من عند الصالة عندما سمع اخته تقول لوالدته بفرحة استشعرها : تقولينه جد ؟ وصله صوته امه وهي تقول : اقولش كنت جالسة مع عمتكم يوم تجيها المرة و تقولها إنها تبي شمعة لولدها .. اخته بفرحة و شماته : الحمممدلله يارب .. والله فهد فرط فيها بس ان شاء الله اذا فيه خير لها توافق و يكون عوضها عن فهيدان .. عقد حاجبيه باستهجان و هو لم يرق له حديث اخته عنه بهذه الطريقة .. اكمل طريقه إلى الأعلى بضيق وهو يفكر بها .. لأول مرة يفكر بها كشخص .. دائمًا كان يفكر بها كإسم مرتبط بإسمه .. دخل إلى جناحه بشرود .. لم يجد سهام في الصالة فتوجه إلى غرفة النوم .. دخلها و وجدها تجلس على الاريكة و تضع لأصابع رجليها طلاء .. نظر إليها بتفكير .. كيف هي علاقتها مع اختها ؟؟ لم يفكر قبل من هذه الناحية .. كل ما كان يهمه هو تخليص نفسه من شمعة .. و الآن وهو يسمع بأنها ستصبح لشخص آخر لا يعلم لماذا يشعر بالضيق لذلك .. انتبهت سهام لدخوله و شروده وهو يضع اغراضه على التسريحة و ينظر إليها بالمرآة .. رفعت حاجبها باستغراب من صمته .. بماذا يفكر يا ترى ؟ سرعان ما أتتها الإجابة وهو يسأل بدون شعور : وش اخبار شمعة ؟ اتسعت عينيها بصدمة و قالت بعدم استيعاب : وشهوووو !! التفت إليها و سأل بجدية : كيف علاقتش معها ؟ زاد اتساع عينيها حتى تشوش عليها النظر .. هتفت باستهجان : و انت وش دخلك !!!!! أمال شفتيه لا يعلم ماذا يقول .. حقًا ما شأنه بها ؟ ألم يرفضها و اصر على ذلك ؟؟ لماذا إذًا يشعر باهتمام لمعرفة حالها ؟ هل لخطبتها ام لفضوله عن امرأة كانت له يومًا ؟؟ ولكن ردة فعل سهام زادت من فضوله .. تجاهل كل ذلك و قال باختصار : اعتبري اني ما سألت .. ثم تحرك و دخل إلى دورة المياه تاركًا سهام خلفه بعينين متسعة و قلب خافق .. و عقل يدور باستمرار .. ما الذي أتى بذكر شمعة الآاااان !! ، أما شمعة فقد كانت لتوها تدخل البيت بعد مرورها على زوجة والدها لعدة ساعات .. خلعت عبائتها مع الحجاب و النقاب و علقتها على المشجب بجانب الباب .. دخلت إلى غرفة عمتها بعد أن مرت على الصالة ولم تجدها هناك .. اقتربت منها وهي تراها ممدة و تضع يدها على عينيها .. همست تناديها : عميمة ! ابعدت عمتها ذراعها عن عينيها و نظرت إليها و ابتسمت .. ابتسمت لها شمعة و اقتربت منها كي تساعدها على الجلوس .. قالت باستعطاف : عميمة .. زعلانة مني ؟ هزت عمتها رأسها بنفي و قالت بحزن : انا زعلانه عليش يا بنتي .. مانيب زعلانة منش .. زمت شفتيها بعدم رضى ثم ابتسمت : طيب و لو اقولش اني فكرت كثير طول ماني بالمستشفى و لين الحين و قررت إني مابيه !! بتزعلين ؟ تنهدت عمتها بتعب ثم قالت بمراوغة : مارح ازعل إذا فكرتي بالعريس الثاني .. نظرت لها بتعجب و قالت بتفكه و ضحك : عريس ثاني ؟ طيب واذا رفضته بيجي بعده عريس ثالث بالدور ؟ اختفت ابتسامتها وهي ترى جدية عمتها .. قالت بتوجس : فيه عريس غير اللي الصباح ؟ اومأت عمتها و قالت بابتسامة وحب : ايوه و ازين من اللي في الصباح .. عريس بتطمن عليش معه .. رفعت حاجبيها باستهجان و عدم رضى .. شدت عمتها كفيها و قالت برجاء عميق : برضاي يا شمعة .. برضاي تفكرين فيه .. والله إن الأرض ما وسعتني من لما كلمتني امه .. هـا ابيش تفكرين زين و ماني منتظرة منش رد هالاسبوع .. عندش كل الوقت عشان تفكرين .. صمتت للحظات ثم تساءلت ببغض عميق لذلك الخاطب وهي تشعر بأنها ستحشر في الزاوية : منهو ؟؟ عمتها بابتسامة وهي تضغط على كفيها : الناصر .. ولد صديقتي .. قدش تعرفينه .. سحبت كفيها بانفعال و وقفت بحدة .. قالت بحدة اكبر وقد غامت عينيها : ناااااصر !! ماغيره ناااصر !! لو هو آخر واحد في الحياة ما تزوجته البصباااص .. حينها هتفت عمتها بحدة : منهو البصباص ؟؟ نويصر ؟؟ تخصرت شمعة و قالت بتحدي و سخرية وهي تلوح بكف يدها : اييييوه نوييييصر ماغيره هو البصبااااص .. عمتها بدفاع و حدة وقد اثارت غضبها : اتعقبين يا الملسونة .. شمعة بغضب من تكذيب عمتها لها : ما يعقب الا نويصر .. ولاهوب طايلني .. و اذا منتيب مصدقتني اسألوه .. كل مالفيت بمكان في المستشفى الا هو ذا وراي .. موافقة مانيب موافقة و خله يدور له على وحدة ثانية .. ثم غادرت تاركة خلفها عمتها تناديها بغضب كي تعود و تخبرها ما الأمر .. ، ‏“تلمست الحشا يمكن ألقى له عذر ثاني ‏لقيت إن الجروح بداخلي أكبر من الأعذار" ، لم يهدأ لها بال منذ الأمس .. ماذا يريد بسؤاله عن شمعة ؟ لماذا يسأل عنها من الأساس .. ألم يرها هي قبل أشهر و اعجبته فتقدم لخطبتها بدلًا عن اختها؟ فلماذا يسأل الآن .. تكاد تفقد عقلها إذا لم تعرف .. تقسم بأنها لن تجعل شمعة تدخل بينهم .. فهد لها و هي له .. و ستعرف حالًا ما الذي يريده من سؤاله .. وقفت بتصميم وعزم .. ستنزل لعمتها " ام فهد " و ستتناول معها الغداء ثم القهوة .. و ستعرف ما الذي حدث .. هي تشعر بنفور عمتها منها .. و بنفور بنات عمها و لكن ذلك لا يهمها .. ما دامت لم تؤذي إحداهن و لم يؤذينها .. فما الجرم الذي ارتكبته عندما تبعت رغباتها ؟؟ لم يتأذى أي احد .. فشمعة كانت تدرك بأن فهدًا لن يكون لها .. و فهد تقدم بنفسه و برضاه لها .. وهي وافقت بنفسها و برضاها .. نقطة نهاية السطر .. هذه هي الحكاية ببساطة .. لا تعلم لماذا يكبرون المواضيع إلى هذه الدرجة .. ألم يكن من الأجدر أن يوجهوا نفورهم و عقدهم النفسية إلى اخيهم ؟ ألم تكن أمه من كلمت زوجة والدها بنفسها و خطبتها هي ؟ لماذا إذًا كل هذا التناقض الآن !!.. بعد ان رأت بأن مظهرها مكتملًا و مرضيًا تقدمت بثقة إلى باب الجناح و فتحته و نزلت إلى الأسفل .. لم تبحث عنهم فقد وجدتهم بالاسفل و قد قمن بتحضير الغداء .. سلمت عليهم بهدوء و شاركتهم .. بعد ان انتهوا قمن بتنظيف المطبخ و خرجت هي للصالة بعد أن قالت ابنة عمها بأنها ستحضر القهوة .. بعد دقائق كانت تلعب بهاتفها عندما دخلت ابنة عمها .. ابتسمت لها بمجاملة و عادت إلى هاتفها .. جلست اخته بجانبها و انشغلت هي الآخرى بهاتفها للحظات ثم سألتها بخبث : إلا اخبار شمعة ؟ تكلمينها انتي ؟ رفعت حاجبها باستهجان .. مابالهم يسألون !! و كأنهم للتو يتذكرون بأن لهم ابنة عم تسمى شمعة .. ردت ببرود : يسرش الحال .. هزت ابنة عمها رأسها وهي تلعب بهاتفها .. قالت بابتسامة واسعة وهي تتجاهل سهام : اكيد انها تسر الحال بعد خطبتها .. الا ما تدرين بتوافق او لا ؟؟ شحبت ملامح سهام بمفاجأة .. شمعة خُطِبت !! إلذلك كان يسأل عنها ؟؟ هل اغاظه ذلك ؟؟ لماذا تشعر بالغيظ منه أكثر من غيظها بعدم معرفتها لخطبة اختها .. ألم يكن من الأولى أن يغيظها ذلك ؟ أن يحزنها بأنها ليست بالقرب منها ؟ ولن تستطيع أن تفرح لفرحها .. و تشاركها جميع لحظاتها .. إذًا لماذا تشعر بالغضب من سؤال فهد أكثر ؟؟ ما الذي يريده الآن ؟ عندما لم يصلها أي رد التفتت إليها فرأت ملامحها الشاحبة .. ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها .. همست بداخلها بشماته : من هالحال و أردى .. ، ‏“تلمست الحشا يمكن ألقى له عذر ثاني ‏لقيت إن الجروح بداخلي أكبر من الأعذار" ، ماض .. طوال طريقهم إلى المطار كانت جامدة و لا تبدي أي ردة فعل .. نظر إليها بجانبه وهي مصوبة نظراتها الباردة الخالية من الحياة للأمام .. يكذب إن قال لم يشعر بها .. او يتألم لأجلها .. يعلم بأنها قد اخذت قرار صعب جدًا بالنسبة لها ولا تلام على ذلك .. فهي تترك خلفها قطعة من روحها بحاجة إليها .. و تمضي للأمام كي تلبي حاجتها هي .. يعلم بأنها ترى نفسها لا تستحق أن تسمى أم منذ الوقت الذي اختارت فيه مستقبلها على ابنتها .. رأى دمعة مثقلة قد طفرت من عينها و اختلطت بقماش نقابها .. دمعة شعر بثقلها على قلبه .. و لكنه والله يريد مصلحتها ولاشيء آخر .. توقفت السيارة أمام باب المطار و نزلا منها .. هو بقلب مثقل و توتر جارف ..